السيد نعمة الله الجزائري

119

رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار ( ع )

والتزام الانقياد وكل ذلك فعله تعالى ، وأمّا الحيلولة بينهم وبينه فإنه ينافي التكليف وينقض الغرض ، لأن الغرض بالتكليف استحقاق الثواب والحيلولة تنافي ذلك ، وربّما كان في الحيلولة والمنع من قتله بالقهر مفسدة للخلق ، فلا يحسن من اللّه فعلها . فإن قيل : أليس آباؤه عليهم السّلام كانوا ظاهرين ولم يخافوا ولا صاروا بحيث لا يصل إليهم أحد . قلنا : آباؤه عليهم السّلام حالهم بخلاف حاله ، لأنه كان المعلوم من حال آبائه لسلاطين الوقت وغيرهم أنهم لا يرون الخروج عليهم ولا يعتقدون أنهم يقومون بالسيف ويزيلون الدول ، بل كان المعلوم من حالهم أنهم ينتظرون مهديا لهم ، وليس يضر السلطان اعتقاد من يعتقد إمامتهم إذا أمنوهم على مملكتهم ، وليس كذلك صاحب الزمان عليه السّلام ، لأن المعلوم منه أنه يقوم بالسيف ويزيل الممالك ويقهر كل سلطان ويبسط العدل ويميت الجور ، فمن هذه صفته يخاف جانبه ويتقى فورته فيتبع ويرصد وتوضع العيون عليه ، فيخاف حينئذ ويحوج إلى التحرّز والاستظهار ، بأن يخفي شخصه عن كل من لا يأمنه من ولي وعدو إلى وقت خروجه . وأيضا فآباؤه عليهم السّلام إنّما ظهروا ، لأنه كان المعلوم أنه لو حدث بهم حادث لكان هناك من يقوم مقامه ويسدّ مسدّه من أولادهم ، وليس كذلك صاحب الزمان عليه السّلام ، لأن المعلوم أنه ليس بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف ، فلذلك وجب استتاره وغيبته وفارق حاله حال آبائه ، وهذا واضح بحمد اللّه . فإن قيل : بأي شيء يعلم زوال الخوف وقت ظهوره ، أبوحي من اللّه ؟ فالإمام لا يوحى إليه ، أو بعلم ضروري ؟ فذلك ينافي التكليف ، أو بإمارة توجب عليه الظن ؟ ففي ذلك تعذير بالنفس . قلنا : عن ذلك جوابان : أحدهما : أن اللّه أعلمه على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وآله وأوقفه من جهة آبائه عليهم السّلام زمان غيبته المخوفة وزمان زوال الخوف عنه ، فهو يتبع في ذلك ما شرّع له وأوقف عليه ، وإنّما أخفي ذلك عنّا لما فيه من المصلحة . والثاني : أنه لا يمتنع أن يغلب على ظنه بقوة الإمارات بحسب العادة قوة سلطانه ، فيظهر عند ذلك ويكون قد أعلم أنه متى غلب في ظنه كذلك وجب عليه ، ويكون الظن شرطا والعلم